الأزمة السودانية تدخل عامها الثالث.. حرب استنزاف بخريطة نفوذ أكثر تعقيدًا

الأزمة السودانية تدخل عامها الثالث.. حرب استنزاف بخريطة نفوذ أكثر تعقيدًا

دخل الصراع العسكري في السودان عامه الثالث وسط تحولات ميدانية لافتة، بعدما انتقلت المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع من حرب حركة وتبادل سريع للسيطرة، إلى صراع طويل الأمد يقوم على الاستنزاف وتثبيت مناطق النفوذ، دون أن ينجح أي طرف في تحقيق حسم عسكري حاسم.

وخلال عام 2025، عزز الجيش السوداني سيطرته على شرق ووسط وشمال البلاد، بينما رسخت قوات الدعم السريع نفوذها في إقليم دارفور غربًا وأجزاء واسعة من إقليم كردفان، ما أسفر عن تشكل خريطة صراع أكثر ثباتًا مقارنة بالعامين السابقين، لكنها في الوقت نفسه أكثر تعقيدًا سياسيًا وعسكريًا.

مكاسب للجيش وتحولات في مسار القتال

في النصف الأول من 2025، انتقل الجيش من وضعية الدفاع إلى تنفيذ عمليات هجومية متزامنة، حقق خلالها مكاسب ميدانية مهمة، أبرزها استعادة مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة في يناير، باعتبارها مركزًا إداريًا واقتصاديًا محوريًا.

وفي مارس، تمكن من استعادة القصر الرئاسي ومطار الخرطوم وعدد من المقار السيادية، قبل أن يفرض سيطرته الكاملة على العاصمة وولايتَي الجزيرة وسنار.

غير أن هذه التطورات أعقبتها مرحلة أكثر عنفًا، اتسمت بتوسع استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة الثقيلة، ما أدى إلى سقوط آلاف القتلى ونزوح جماعي للمدنيين، وتفاقم غير مسبوق للأزمة الإنسانية، لتصبح الحرب في السودان واحدة من أكثر النزاعات دموية خلال عام 2025.

انقسام سياسي وحكومة موازية

بالتوازي مع التصعيد العسكري، شهد المشهد السوداني تعقيدًا سياسيًا إضافيًا مع إعلان قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية، الأمر الذي عمّق الانقسام وزاد من صعوبة أي مسار للحل.

وفي هذا السياق، قال اللواء أمين مجذوب، خبير إدارة الأزمات والتفاوض في مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية (كونا)، إن الجيش اعتمد خلال 2025 على استراتيجية هجومية متوازية مستفيدًا من تفوق جوي نسبي واستخدام الطائرات المسيرة، ما مكّنه من استهداف خطوط الإمداد ومواقع المدفعية، وأجبر قوات الدعم السريع على الانسحاب من بعض المناطق.

تقدم للدعم السريع غربًا

في المقابل، حققت قوات الدعم السريع خلال النصف الثاني من العام تقدمًا ميدانيًا لافتًا في غرب السودان، حيث فرضت سيطرتها في 26 أكتوبر على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وآخر معاقل الجيش في الإقليم، بعد حصار دام قرابة عامين.

كما سيطرت على مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان، بالتزامن مع انسحاب الجيش من منطقة هجليج النفطية، لتخضع معظم الولاية لنفوذها، مع استمرار حصارها لمدينتَي كادوقلي والدلنج في جنوب كردفان.

ويرى الصحفي والمحلل السوداني أحمد يونس، في حديثه لـ(كونا)، أن التطور التقني لقوات الدعم السريع، لا سيما في استخدام الطائرات المسيرة وأنظمة التشويش، أسهم في ترجيح كفتها في معارك محددة مثل الفاشر وبابنوسة، مع الحفاظ على قدرتها على المناورة ضمن نطاق جغرافي واسع.

كردفان.. ساحة استنزاف مفتوحة

في المقابل، واصل الجيش تقدمه باتجاه إقليم كردفان، مستعيدًا مدينتَي أم روابة والرهد، وافتتح الطريق القومي الرابط بمدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان. غير أن هذه الجبهة سرعان ما تحولت إلى ساحة استنزاف مفتوحة، اتسمت بتبادل السيطرة دون تفوق مستدام لأي طرف.

وفي هذا الإطار، تسعى قوات الدعم السريع إلى إحكام حصارها على مدينة الأبيض الاستراتيجية، مقابل محاولات الجيش تأمين المدينة وتوسيع نطاق سيطرته في محيطها. ويشير محللون إلى أن معارك كردفان كشفت عن تحديات بنيوية تواجه الجيش في إدارة حرب استنزاف طويلة داخل مساحات مفتوحة، مقابل مرونة الدعم السريع وقدرته على الحركة.

صراع بلا حسم قريب

من جهته، أوضح المحلل السياسي التجاني الحاج لـ(كونا) أن الاستنزاف المستمر، وخسارة عناصر مدربة لدى الطرفين، وفشل أي منهما في تحقيق حسم عسكري، دفع الصراع إلى مرحلة تثبيت خطوط نفوذ شبه مستقرة بدل الحرب الخاطفة. وأضاف أن التوسع في استخدام الطائرات المسيرة غيّر طبيعة المواجهات، محولًا إياها إلى صراع يركز على ضرب خطوط الإمداد والمواقع الحيوية والعمق الاستراتيجي.

وبنهاية عام 2025، بدت خريطة الصراع في السودان أكثر استقرارًا من حيث خطوط السيطرة، لكنها أكثر تعقيدًا من حيث فرص الحسم، مع استمرار القتال بوتيرة متفاوتة في عدة جبهات. وتشير المعطيات الميدانية إلى مواصلة الطرفين عمليات التعبئة والحشد، في مؤشر على استعداد لمواجهات جديدة، وسط غياب أي مؤشرات قريبة على تسوية سياسية أو حسم عسكري.

للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك