عفاف حمودة: «سياحة الطعام» كنز لم تستثمره مصر بالشكل الكافي.. ونستطيع الوصول إلى 30 مليون سائح إذا اكتملت المنظومة

عفاف حمودة.. .على ضفاف نهر النيل، حيث يلتقي التاريخ بالحاضر، وتنعكس ملامح الحضارة المصرية على صفحة الماء، لم تعد السياحة في مصر تقتصر على زيارة الأهرامات أو المعابد والمتاحف، بل أصبحت تجربة الطعام جزءًا لا يتجزأ من رحلة السائح، فيما يعرف عالميًا بـ"سياحة الطعام" (Food Tourism)، التي تحولت إلى أحد أهم محركات صناعة السياحة في العالم.
فالمطبخ المصري، بما يحمله من تنوع ونكهات وتراث يمتد لآلاف السنين، بات عنصر جذب رئيسيًا للزائر الأجنبي الباحث عن تجربة ثقافية متكاملة، تبدأ من المكان ولا تنتهي عند المائدة.
وفي قلب العجوزة، وعلى واحد من أجمل المشاهد المطلة على نهر النيل، نجح مطعم وكافتيريا «وديدا» خلال أقل من عامين في أن يتحول إلى علامة مميزة في المشهد السياحي، جامعًا بين أصالة المطبخ المصري وروح المطاعم العصرية، ليقدم نموذجًا يؤكد أن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يقترن الاستثمار بالحفاظ على الهوية.
في هذا الحوار، تتحدث عفاف حمودة، عضو مجلس إدارة شركة بانوراما للتنمية السياحية، عن قصة تأسيس «وديدا»، ورؤيتها لمستقبل السياحة المصرية، والتحديات التي تواجه قطاع المطاعم، وخططها الاستثمارية الجديدة في مجال السياحة العلاجية.
في البداية.. لماذا اخترتم اسم «وديدا»؟
الاسم يحمل بالنسبة لي قيمة إنسانية كبيرة، فهو اسم جدتي، وارتبط في ذاكرتي بالمحبة والدفء والكرم، وهي المعاني نفسها التي أردنا أن يشعر بها كل من يدخل المكان.

قبل عام ونصف تقريبًا لم يكن هنا مطعم أو كافتيريا، بل كان مجرد مشتل للورود.وعندما رأينا الموقع المميز المطل على نيل العجوزة، شعرنا أن المكان يستحق أن يتحول إلى مشروع سياحي يعكس جمال مصر.
بدأنا باستكمال جميع الإجراءات القانونية والحصول على التراخيص، ثم شرعنا في تنفيذ فكرة مختلفة، تقوم على تقديم طعام بجودة المنزل، وليس مجرد وجبات تقدم داخل مطعم.
ولهذا نقول دائمًا إن «وديدا» ليس مطعمًا فقط، بل مطبخ مصري متكامل يعتمد على أفضل المكونات، ويقدم الطعام بنفس الجودة التي تقدم بها الأمهات الطعام داخل بيوتهن.
كيف تنظرين إلى مستقبل سياحة الطعام في مصر؟
أعتقد أن مصر تمتلك واحدة من أقوى مدارس الطهي في المنطقة، لكنها لم تستثمر هذا الملف بالشكل الذي يستحقه حتى الآن.
اليوم أصبح السائح يسافر من أجل تجربة طبق مميز، أو زيارة مطعم يحمل هوية محلية، ولذلك أصبحت "سياحة الطعام" من أسرع أنواع السياحة نموًا في العالم.
المطبخ المصري ثري للغاية، ويضم عشرات الأطباق التي يعشقها الأجانب، مثل الكشري، والملوخية، والمحشي، والفتة، والحمام، والمشويات، إلى جانب الحلويات الشرقية.
في «وديدا» حرصنا على الحفاظ على هذه الهوية، لكننا في الوقت نفسه أدخلنا بعض الوجبات الحديثة والسريعة التي تناسب الشباب، لنقدم تجربة تجمع بين الأصالة والتطوير دون أن نفقد الشخصية المصرية.
ما أبرز التحديات التي تواجه المطاعم والاستثمار السياحي؟
التحديات كثيرة، لكن من أهمها عدم وجود آلية واضحة لضبط الأسعار في بعض المناطق السياحية، وهو ما يخلق تفاوتًا كبيرًا بين المطاعم ويؤثر في صورة القطاع.

كما أن هناك مشكلة أصبحت تؤرق أصحاب المطاعم، وهي ممارسات بعض البلوجرز غير المهنيين.
للأسف، هناك من يطلب مبالغ مالية مقابل نشر محتوى إيجابي، وإذا رفض صاحب المطعم يتم نشر فيديوهات سلبية للإضرار بسمعة المكان.
هذه ليست مشكلة مطاعم فقط، بل قضية تمس صورة السياحة المصرية، لأن السائح يعتمد بشكل كبير على المحتوى الرقمي عند اختيار المكان الذي سيزوره.
لذلك نحن بحاجة إلى تنظيم هذا المجال ووضع ضوابط تحمي المستثمر وتحافظ على مصداقية المحتوى.
هل تواجهون مشكلات خدمية؟
بالتأكيد من أبرز المشكلات التي نعاني منها قضية موقف السيارات.
فعندما استأجرنا المكان من حي الجيزة كان يتبع له "باركينج" يخدم الزائرين، لكن هذا المرفق لم يعد متاحًا بالشكل المطلوب، رغم التزامنا الكامل بسداد جميع الالتزامات المالية.
هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تمثل جزءًا مهمًا من تجربة السائح أو الزائر، ولذلك نتمنى سرعة إيجاد حلول عملية لها.

الرئيس عبد الفتاح السيسي قال اننا نستهدف الوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا
هل ترين أن ذلك ممكن؟
نعم.. .وأقولها بثقة مصر تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتحقيق هذا الهدف، وربما أكثر.
لكن الوصول إلى هذا الرقم يتطلب منظومة متكاملة، تبدأ منذ لحظة استقبال السائح في المطار، مرورًا بوسائل النقل والفنادق والمطاعم والمزارات السياحية، وحتى مغادرته البلاد.
عندما يشعر السائح بالاحترام، ويحصل على خدمة جيدة، ويرى مصر بصورة تليق بتاريخها، سيعود مرة أخرى وسيصبح أفضل سفير لنا في الخارج.
الدولة بذلت جهودًا ضخمة خلال السنوات الأخيرة في تطوير البنية التحتية، وإنشاء الطرق والمتاحف والمشروعات السياحية، لكننا ما زلنا بحاجة إلى القضاء على بعض الممارسات الفردية التي قد تسيء إلى تجربة الزائر.
هل يقتصر النشاط السياحي على فصل الصيف؟
إطلاقًا مصر دولة سياحية طوال العام.
صحيح أن الصيف يشهد حركة كبيرة، خاصة في المدن الساحلية، لكن الشتاء المصري يعد من أجمل مواسم السياحة في العالم.
في «وديدا» يبدأ تقديم الإفطار الشتوي من العاشرة صباحًا وحتى الواحدة ظهرًا، ونشهد خلال هذه الفترة إقبالًا كبيرًا من المصريين والسائحين.
كما أن مدن البحر الأحمر، مثل الغردقة وشرم الشيخ، تحقق أعلى نسب الإشغال في الشتاء، إلى جانب الأقصر وأسوان اللتين تعدان من أهم المقاصد العالمية لعشاق السياحة الثقافية.
هل لديكم خطط استثمارية جديدة؟
بالفعل نعمل حاليًا على تنفيذ مشروع سياحي ضخم في منطقة مكادي بمحافظة البحر الأحمر.
وسيكون من أكبر المشروعات المتخصصة في السياحة العلاجية، التي نؤمن بأنها ستكون أحد أهم قطاعات السياحة في مصر خلال السنوات المقبلة.
بدأنا بالفعل خطوات التنفيذ، لأن مصر تمتلك جميع المقومات اللازمة، من مناخ معتدل، وشواطئ عالمية، وموارد طبيعية، وكفاءات طبية قادرة على المنافسة.
هدفنا هو تقديم منتج سياحي متكامل يجمع بين العلاج والاستجمام والترفيه وفق أعلى المعايير الدولية.
"السياحة ليست مجرد فندق أو مطعم أو مزار أثري، بل هي صورة وطن بأكمله. عندما نحافظ على الجودة، ونحترم السائح، ونتمسك بهويتنا المصرية، فإننا نصنع أفضل دعاية لمصر. لدينا بلد يمتلك كل عناصر الجذب، وما نحتاجه هو المزيد من العمل والإخلاص والتعاون، حتى تستعيد مصر مكانتها الطبيعية كواحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم."

للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك







