عندما تتحدث أرقام «الكويتية».. يصمت المشككون

يقال في عالم الإدارة إن النجاحات لا تقاس بكثرة التصريحات، بل بالأرقام، وهذا صحيح فالأرقام لا تجامل، ولا تعرف المبالغة ولا تنحاز لأحد، وحين تصدر نتائج مالية مدققة، فإنها تصبح شهادة موثقة على ما تحقق على أرض الواقع.
وهذا تحديدا ما عكسته نتائج الخطوط الجوية الكويتية لعام 2025، التي وصفت بأنها الأفضل خلال السنوات الأخيرة، وحققت أعلى إيرادات للشركة منذ عشر سنوات، وفق ما أعلن في الجمعية العمومية، وهي نتائج لم تأت من فراغ، بل كانت ثمرة عمل مؤسسي وخطة إصلاح وتشغيل استمرت على مدى السنوات الماضية.
تكفي قراءة بعض الأرقام لإدراك حجم ما تحقق فقد بلغت الإيرادات 430.2 مليون دينار كويتي، بنمو قدره 5%، وهو أعلى مستوى تحققه الشركة منذ سنوات، كما ارتفع متوسط الإيراد لكل طائرة إلى 17.9 مليون دينار، بما يعكس تحسن كفاءة استغلال الأسطول وتعظيم العائد من الأصول.
وفي المقابل انخفضت الخسائر التشغيلية بمقدار 21.4 مليون دينار، بنسبة تحسن بلغت 18.1%، فيما تراجع صافي الخسائر بمقدار 16.8 مليون دينار، بنسبة تحسن وصلت إلى 13.5%.
هذه ليست فقط أرقام محاسبية إنما هي مؤشرات واضحة على أن الشركة تسير في الاتجاه الصحيح، فالنجاح في قطاع الطيران لا يبدأ بتحقيق الأرباح مباشرة، وإنما بإيقاف نزيف الخسائر، ورفع كفاءة التشغيل، وزيادة الإيرادات، وتحسين استغلال الموارد، وهي المراحل التي تمر بها كبرى شركات الطيران عند تنفيذ برامج التحول المؤسسي.
وتزداد أهمية هذه النتائج إذا ما وضعناها في سياقها الزمني، فقد تحققت خلال واحدة من أصعب الفترات التي مر بها قطاع الطيران، في ظل تقلبات أسعار الوقود، واضطرابات سلاسل الإمداد، والمنافسة الإقليمية، والتوترات الجيوسياسية التي أثرت في حركة الملاحة الجوية.
ولم تكن التحديات اقتصادية فقط، بل واجهت الشركة ظروفا استثنائية بكل المقاييس، من تداعيات الحرب الإيرانية وما صاحبها من اضطرابات في حركة الملاحة الجوية، إلى حادث احتراق مبنى الركاب (T1)، وهو ظرف كان كفيلا بإرباك عمل أي شركة طيران. ومع ذلك واصلت "الكويتية" تشغيل رحلاتها، وساندت الشركات الوطنية الشقيقة، وجندت كوادرها للعمل على مدار الساعة حتى لا يشعر المسافر بحجم الأزمة التي كانت تدار خلف الكواليس. وهذه هي الإدارة الحقيقية، أن تظهر قوتها في أوقات الشدائد، لا في أوقات الرخاء.
هناك من ينظر إلى الشركات الوطنية باعتبارها عبئا على الدولة، لكن التجارب الناجحة تثبت أن الإدارة الكفؤة قادرة على تحويل المؤسسات الوطنية إلى قصص نجاح متى ما توافرت الرؤية والإرادة والاستمرار في الإصلاح.
والأهم أن هذه النتائج لا تمثل نهاية الطريق، بل بدايته. فالوصول إلى أعلى الإيرادات خلال عقد كامل، مع استمرار تراجع الخسائر وتحسن الأداء التشغيلي، يؤكد أن الشركة تسير في مسار تصاعدي يستحق الدعم، لا التشكيك.
صحيح أن الناس قد يختلفون في تقييم الأشخاص أو الإدارات، لكنهم يقفون جميعا أمام لغة واحدة لا تقبل الجدل.. لغة الأرقام.
والسؤال هنا هل جاءت هذه النتائج مصادفة؟ بالتأكيد لا فما تحقق هو انعكاس لعمل مجلس إدارة ركز على تحسين التشغيل، وتعظيم الإيرادات، وترشيد النفقات، وإدارة الموارد بكفاءة. فالنجاح في المؤسسات الكبرى لا يصنعه قرار واحد، وإنما رؤية متكاملة وإدارة قادرة على التعامل مع الأزمات دون أن تفقد بوصلتها.
ولعل هذه التجربة تؤكد أيضا حقيقة إدارية مهمة، وهي أن الاستقرار المؤسسي يمثل البيئة الطبيعية للإنجاز، فمنذ أن دخلت الدولة مرحلة أكثر استقرارا بعد حل مجلس الأمة، تحركت ملفات ظلت لسنوات رهينة التجاذبات والصراعات، وعندما تتوافر بيئة مستقرة، تصبح المؤسسات أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة، بعيدا عن الضغوط التي تستنزف الوقت والجهد.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى تغيير المسار، بل إلى استكماله. فالمؤسسات الكبرى لا تبنى بتغيير الإدارات كل فترة، وإنما باستمرار الخطط، ومنح القيادات الفرصة لاستكمال ما بدأته، ثم محاسبتها على النتائج.
ولذلك فإن الأمل معقود على وزارة المالية ومجلس الوزراء في دعم هذا النهج، ومنح مجلس إدارة الخطوط الجوية الكويتية الاستقرار اللازم لاستكمال مشروعه، بعدما أثبت بالأرقام قدرته على إعادة الشركة إلى مسارها الصحيح، رغم التحديات الاقتصادية والإقليمية والظروف الطارئة.
فالنجاح يصنع نجاحا، والاستقرار يولد مزيدا من الإنجاز، أما تغيير المسار كلما بدأت النتائج في الظهور، فهو أقصر الطرق لإهدار ما تحقق. واليوم، وبعد أن تحدثت الأرقام بوضوح، يبقى السؤال أمام صانع القرار.. هل نكافئ النجاح بمنحه فرصة للاستمرار، أم نعيد التجربة إلى نقطة البداية؟
د / يوسف العميري
للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك







