سوريا لا تحتاج جبهة جديدة.. بل فرصة للحياة

سوريا لا تحتاج جبهة جديدة.. بل فرصة للحياة
دكتور يوسف العميري

منذ سنوات طويلة، لم يعرف السوريون طعم الاستقرار. حرب تجر أخرى، وأزمة تتبعها أزمة، واقتصاد أنهكته العقوبات والدمار، ومدن تحاول أن تنهض من تحت الركام، وشعب دفع من الدم والتهجير والفقر ما يكفي لأن يقال: كفى.

لكن يبدو أن هناك من لا يريد لسوريا أن تقول هذه الكلمة.

فما إن بدأت البلاد تدخل مرحلة جديدة، تحاول فيها السلطة الجديدة إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، حتى واصل الكيان الصهيوني توغلاته داخل الأراضي السورية، ونفذ عمليات عسكرية متكررة، في مشهد يوحي بأن المطلوب هو إبقاء سوريا في حالة استنزاف دائم، لا دولة تتعافى، ولا مؤسسات تستقر، ولا اقتصاد ينهض.

إن أخطر ما في هذه السياسة أنها لا تستهدف موقعا عسكريا هنا أو منشأة هناك فحسب، بل تستهدف فكرة قيام دولة سورية مستقرة وقادرة على إدارة شؤونها.

عندما ننظر إلى المشهد بعيون السياسة لا بعيون البيانات العسكرية، نجد أن القضية أكبر من ضربة جوية أو عملية توغل.

فالدول التي تعيش في حالة اضطراب دائم لا تستطيع بناء اقتصاد، ولا جذب استثمارات، ولا إعادة اللاجئين، ولا فرض سيادة كاملة على أراضيها وكل يوم يمر دون استقرار هو يوم جديد من الخسارة للشعب السوري.

ولهذا فإن استمرار العمليات العسكرية داخل سوريا يطرح سؤالا مشروعا هل الهدف هو حماية الأمن الإسرائيلي المزعوم فقط، أم منع سوريا من استعادة عافيتها؟

فالكيان المحتل يدرك أن أي دولة عربية قوية ومستقرة تمتلك مؤسسات فاعلة واقتصادا متماسكا، تختلف تماما عن دولة منهكة تعيش أزمات متواصلة.

لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تعيد بناء نفسها بينما الطائرات تحلق فوق سمائها، أو بينما احتمالات التصعيد قائمة في كل لحظة.

سوريا اليوم بحاجة إلى المدارس أكثر من المتاريس، وإلى المصانع أكثر من الدبابات، وإلى المستثمرين أكثر من الطائرات المقاتلة.

فكيف يمكن لرأس المال أن يغامر بالدخول إلى بلد لا يعرف متى تبدأ الضربة التالية؟

وكيف يمكن للاجئ أن يعود إلى منزله إذا كان لا يعلم إن كانت منطقته ستبقى آمنة بعد أسبوع أو شهر؟

إن إعادة الإعمار ليست مجرد إسمنت وحديد، بل هي شعور بالأمان، وثقة في المستقبل، وإيمان بأن الغد سيكون أفضل من الأمس.

وهذه كلها لا يمكن أن تنمو في ظل استمرار العمليات العسكرية.

في كل مرة تتصاعد فيها العمليات العسكرية، ينشغل العالم بالحديث عن الخرائط العسكرية وموازين القوى، بينما يغيب الإنسان السوري عن الصورة.

يغيب الأب الذي ينتظر فرصة عمل، وتغيب الأم التي تريد مدرسة آمنة لأطفالها،

ويغيب الشاب الذي يحلم بالبقاء في وطنه بدلا من البحث عن قارب هجرة.

فالحروب قد تدار بين الجيوش، لكن فاتورتها النهائية يدفعها المدنيون دائما.

ولذلك فإن أكبر الخاسرين من استمرار هذا المشهد ليس السياسيين ولا العسكريين، وإنما ملايين السوريين الذين ينتظرون بداية جديدة بعد سنوات طويلة من المعاناة.

ما تشهده المنطقة خلال السنوات الأخيرة يكفي لإدراك حقيقة واحدة: لا يوجد بلد يبقى معزولا عن أزمات جيرانه.

فأي تصعيد في سوريا ينعكس على لبنان والأردن والعراق وتركيا بل والخليج، ويؤثر في حركة التجارة والطاقة والاستثمار والاستقرار الإقليمي.

ولهذا فإن استمرار التوتر لا يخدم أحدا، بل يضيف أزمة جديدة إلى منطقة تعبت أصلا من الأزمات.

وإذا كان المجتمع الدولي يتحدث باستمرار عن دعم الاستقرار وإعادة الإعمار، فإن أول خطوة في هذا الطريق هي احترام سيادة الدول، ووقف كل ما يعرقل جهودها في استعادة مؤسساتها وحياتها الطبيعية.

قد يختلف الناس في تقييم النظام الجديد أو في قراءة المشهد السياسي السوري، لكن هناك مبدأ لا ينبغي أن يكون محل خلاف.. من حق الشعب السوري أن يمنح دولته فرصة للنهوض.

ليس من مصلحة المنطقة أن تبقى سوريا ساحة مفتوحة للغارات والتوغلات والصراعات.

وليس من العدالة أن يُحرم شعب كامل من فرصة إعادة بناء وطنه بسبب حسابات إقليمية لا تنتهي.

إن سوريا اليوم لا تطلب المستحيل إنها تطلب فقط فرصة.فرصة لتبني مدارسها بدل أن تعيد بناء ما تهدمه الصواريخ. وفرصة ليعود أبناؤها من المنافي بدل أن يبحثوا عن منفى جديد.وفرصة ليستعيد اقتصادها أنفاسه بعد سنوات من الانهيار.. لقد دفع السوريون ما يكفي من الأثمان.

وحان الوقت لأن يدرك العالم أن استقرار سوريا ليس مكسبا للسوريين وحدهم إنما مصلحة للمنطقة بأسرها.

أما استمرار التوغلات والعمليات العسكرية، فلن يصنع سلاما دائما، بل سيؤجل مرة أخرى حلم شعب يستحق، بعد كل هذه السنوات، أن يعيش في وطن آمن، سيد، قادر على أن يبني مستقبله بيده لا أن يبقى رهينة لصراعات الآخرين.

د / يوسف العميري

[email protected]

للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك