غموض حول مصير المفاوضات الأمريكية الإيرانية ومخاوف من اتجاه المنطقة إلى تصعيد جديد

عاد الغموض ليخيم مجددًا على مستقبل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتسارع فيه التحركات الدبلوماسية والإقليمية لمنع انهيار مسار التهدئة الذي أعقب المواجهة العسكرية الأخيرة بين البلدين.
وبينما وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سلطنة عمان لإجراء مباحثات تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، تتضارب التقارير بشأن إمكانية عقد جولة جديدة من المحادثات الأمريكية الإيرانية، وسط جهود وساطة تقودها كل من سلطنة عمان وقطر، وترقب أمريكي لإعلان رسمي من طهران بشأن إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية.
وفي المقابل، لا تزال لغة التهديد حاضرة بقوة، سواء من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو المسؤولين الإيرانيين، بينما يواصل الجيش الإسرائيلي استعداداته لسيناريوهات عسكرية جديدة، ما يجعل فرص التهدئة مرهونة بنتائج الساعات والأيام المقبلة.
محادثات مرتقبة.. ومسقط تعود إلى الواجهة
أصبحت العاصمة العمانية مسقط مجددًا محورًا للتحركات السياسية، بعد وصول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لإجراء مباحثات ركزت بصورة أساسية على مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، الذي تحول إلى بؤرة التوتر الرئيسية بين طهران وواشنطن خلال الأسابيع الماضية.
ونقلت شبكة ABC News عن مسؤولين أمريكيين توقعهم استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عمان، مشيرين إلى أن الإدارة الأمريكية تنتظر إعلانًا رسميًا من طهران يؤكد إعادة فتح جميع ممرات مضيق هرمز أمام السفن التجارية، مع تعهد بعدم استهدافها مستقبلاً.
وبحسب المسؤولين، فإن عدم صدور مثل هذا الإعلان سيُنظر إليه في واشنطن باعتباره مؤشرًا سلبيًا على فرص استئناف المفاوضات.
في المقابل، أشار موقع أكسيوس إلى أن هناك مقترحات لعقد جولة تفاوض جديدة في سويسرا، دون أن يصدر أي تأكيد رسمي بشأن موعد أو مكان الجولة المقبلة.
قطر تدخل على خط الوساطة
بالتوازي مع التحركات العمانية، وصل وفد قطري رفيع المستوى إلى طهران في إطار جهود الوساطة الرامية إلى احتواء التصعيد وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
وتركز المباحثات، بحسب مصادر مطلعة، على آليات تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، إلى جانب مناقشة ملف الأموال الإيرانية المجمدة، وبحث مقترحات لتشكيل لجنة دولية تتولى دعم جهود إعادة إعمار إيران بعد الأضرار التي خلفتها المواجهات الأخيرة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه الاتصالات الإقليمية والدولية لتفادي اندلاع مواجهة جديدة قد تهدد أمن الخليج وإمدادات الطاقة العالمية.
تبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران
ورغم الحديث عن احتمال استئناف المفاوضات، استمرت التصريحات المتشددة من الجانبين. فقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة وافقت على استئناف المحادثات بعدما طلبت إيران مواصلة التفاوض، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن وقف إطلاق النار الذي أُعلن في يونيو الماضي لم يعد قائمًا.
كما جدد ترامب تهديده لإيران، معلنًا عبر منصة "تروث سوشيال" أن ألف صاروخ أمريكي جاهزة للإطلاق إذا نفذت طهران أي تهديد يستهدف اغتياله.
في المقابل، نفت طهران أن تكون قد طلبت استئناف المفاوضات، مؤكدة أن واشنطن هي التي تحاول إعادة إطلاق المسار التفاوضي.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده أوفت بجميع التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم، متهمًا الولايات المتحدة بانتهاك بنود الاتفاق، ولا سيما من خلال الإجراءات التي اتخذتها وزارة الخزانة الأمريكية.
وأضاف أن تنفيذ الالتزامات يجب أن يكون متبادلًا، مشددًا على أن إيران لن تقبل باستمرار ما وصفه بـ"الالتزام من طرف واحد".
بدوره، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن القوات المسلحة الإيرانية تواصل مراقبة جميع التحركات العسكرية، وأنها مستعدة للدفاع عن أمن البلاد.
إيران تعلن حصيلة ضحايا الضربات الأمريكية
وفي تطور آخر، أعلنت وزارة الصحة الإيرانية الحصيلة الرسمية للهجمات الأمريكية التي استهدفت عدة محافظات جنوبية يومي 8 و9 يوليو الجاري. وقالت الوزارة إن الضربات أسفرت عن مقتل 17 شخصًا، بينهم امرأة، وإصابة 115 آخرين.
أزمة هرمز تتصدر المشهد
لا يزال ملف الملاحة في مضيق هرمز يمثل أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين، في ظل استمرار المخاوف من تأثير التوترات العسكرية على حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وجددت سلطنة عمان، خلال مشاركتها في اجتماعات مجلس المنظمة البحرية الدولية في لندن، تأكيدها التزامها بحرية الملاحة، وضمان أمن وسلامة الممرات البحرية الدولية، والحفاظ على انسياب حركة التجارة العالمية وفق قواعد القانون الدولي.
وفي السياق نفسه، كشفت صحيفة الجارديان البريطانية أن مسقط أعدت، بالتعاون مع خبراء قانونيين بريطانيين، مقترحًا لإدارة مضيق هرمز مستوحى من الآليات المعمول بها في مضيق ملقا، كما عرضت إرسال فريق من الخبراء إلى طهران لشرح تفاصيل المبادرة.
لكن الصحيفة أشارت إلى أن المقترح قد يواجه صعوبات داخل إيران بسبب تباين المواقف بين المؤسسات الرسمية والحرس الثوري بشأن مستقبل إدارة المضيق.
وأضافت أن دولًا أوروبية تدرس أيضًا مقترحات لفرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، على أن تكون اختيارية وتحظى بدعم المنظمة البحرية الدولية.
تراجع حركة الملاحة ومخاوف على أسواق الطاقة
في المقابل، حذرت صحيفة نيويورك تايمز من تراجع ملحوظ في حركة السفن عبر مضيق هرمز منذ تجدد المواجهات الأمريكية الإيرانية، مقارنة بالفترة التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار.
وأشارت الصحيفة إلى أن شركات الشحن أصبحت أكثر ترددًا في عبور المضيق، ما يهدد بإبطاء تدفقات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة ستيلث غاز اليونانية، هاري فافاس، إن شركته اضطرت إلى تأجيل عبور إحدى ناقلاتها بسبب تدهور الوضع الأمني، مؤكدًا أن الأوضاع في المضيق "تزداد سوءًا دقيقة بعد أخرى".
كما لفتت الصحيفة إلى أن عددًا من السفن التي تعبر المضيق بمرافقة أمريكية يعمد إلى إغلاق أجهزة التتبع، وهو ما يصعب التحقق من حجم الحركة الفعلي.
من جهتها، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها ساعدت منذ بداية مايو الماضي أكثر من 800 سفينة تجارية على عبور المضيق، إضافة إلى تأمين مرور نحو 380 مليون برميل من النفط الخام.
إسرائيل تستعد.. وضغوط على واشنطن
وفي موازاة المساعي الدبلوماسية، كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي أنهى إعداد خطة متكاملة لاستهداف البنية التحتية الإيرانية إذا صدرت أوامر بذلك.
وأوضحت الصحيفة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يفضل في الوقت الحالي تجنب الانخراط المباشر في المواجهة بين واشنطن وطهران، في ظل ضغوط تمارسها دول الخليج على الإدارة الأمريكية لاحتواء أي تحرك إسرائيلي قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع.
وبين مؤشرات الانفتاح على الحوار واستمرار لغة التهديد والاستعدادات العسكرية، يبقى مستقبل المفاوضات بين واشنطن وطهران مفتوحًا على جميع الاحتمالات، فيما يظل مضيق هرمز العنوان الأبرز للصراع، بالنظر إلى تأثيره المباشر على أمن المنطقة واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك







