الصمت لا يحمي الأوطان.. لماذا يحتاج أمن الخليج إلى موقف عربي وإسلامي موحد؟

الصمت لا يحمي الأوطان.. .في أوقات الأزمات، لا تقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من منظومات دفاعية أو تحالفات عسكرية، بل أيضاً بقدرة محيطها الإقليمي على الوقوف إلى جانبها. فحين تتعرض دولة آمنة لتهديدات تمس أمنها وسيادتها، يصبح الصمت موقفاً بحد ذاته، وقد يكون في بعض الأحيان أكثر خطورة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
إن ما تشهده المنطقة من تصاعد في التوترات العسكرية يطرح أسئلة تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، لتصل إلى جوهر مفهوم الأمن الجماعي العربي والإسلامي، ومدى قدرة المؤسسات الإقليمية على القيام بالدور الذي أنشئت من أجله.
الكويت.. .دولة اختارت السلام
على مدى عقود، ارتبط اسم الكويت بالدبلوماسية والعمل الإنساني والوساطة بين الدول، ولم تكن يوماً طرفاً في سياسات التصعيد أو إشعال النزاعات. فقد بنت مكانتها الإقليمية والدولية على الحوار، وقدمت دعماً تنموياً وإنسانياً واسعاً للدول العربية والإسلامية، وأسهمت في تقريب وجهات النظر في العديد من الأزمات.
ورغم هذا النهج، تجد الكويت، ومعها بقية دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، نفسها في مواجهة تهديدات أمنية متكررة تُنسب إلى إيران أو إلى جماعات مسلحة موالية لها، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً في هذا الصراع.
إن استهداف دول لم تشارك في الأعمال العسكرية، أو التلويح بتهديد أمنها، يمثل تطوراً خطيراً يتعارض مع مبادئ احترام سيادة الدول، ويهدد بإرساء سابقة قد تجعل الاعتداء على الدول الآمنة أمراً يمكن تبريره تحت ذرائع سياسية أو عسكرية.
الأمن يبدأ من شعور الناس بالأمان
قد تبدو الصواريخ والطائرات المسيرة في ظاهرها شأناً عسكرياً، لكن آثارها الحقيقية تمتد إلى الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين.
فالقلق يبدأ عندما تستيقظ الأسر على أصوات صفارات الإنذار، وعندما يتساءل الأطفال إن كانوا يعيشون في مكان آمن. ويزداد الشعور بالخوف عندما يصبح الحديث عن احتمال انقطاع الكهرباء أو المياه أو استهداف المنشآت الحيوية جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
فالحروب لا تقتصر على الخسائر المادية، بل تمتد إلى زعزعة الإحساس بالأمن والاستقرار، وهو ما يجعل حماية المدنيين مسؤولية لا تقل أهمية عن حماية الحدود.
أين الموقف العربي والإسلامي؟
تفرض هذه التطورات سؤالاً مشروعاً حول دور المؤسسات الإقليمية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
فإذا كانت أي دولة عضو تتعرض لتهديد يمس أمنها واستقرارها، فمن الطبيعي أن يكون هناك موقف جماعي يعكس حجم المسؤولية المشتركة، لأن الأمن العربي لا يتجزأ، واستقرار الخليج لا يمثل شأناً خليجياً فحسب، بل يرتبط بالأمن العربي والإسلامي والدولي، نظراً لما تمثله المنطقة من أهمية اقتصادية واستراتيجية.
وقد برز في هذا السياق الموقف الذي أعلنته وزارة الخارجية المصرية، بإدانة أي مساس بأمن الكويت وسيادتها، وهو موقف يعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، ويؤكد أن التضامن الحقيقي يظهر في أوقات الأزمات. إلا أن المرحلة الراهنة تتطلب مواقف جماعية أكثر شمولاً، تؤكد أن أمن أي دولة عربية هو مسؤولية مشتركة.
القانون الدولي لا يبرر استهداف المدنيين
إن استهداف المنشآت المدنية أو المرافق الحيوية أو تعريض السكان للخطر يتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي و الإنساني، التى تلزم أطراف النزاعات بحماية المدنيين وعدم تحويلهم إلى أهداف مباشرة أو غير مباشرة.
واحترام سيادة الدول وعدم الاعتداء عليها ليس خياراً سياسياً يخضع للمصالح الآنية، بل قاعدة قانونية وأخلاقية أساسية يقوم عليها النظام الدولي.
المعركة لم تعد عسكرية فقط
في عالم اليوم، لم تعد الحروب تُخاض في الميدان وحده، بل أصبحت تُدار أيضاً عبر الإعلام، والمنصات الرقمية، والرأي العام العالمي.
ولهذا لم تعد المسؤولية مقتصرة على المؤسسات الأمنية والعسكرية، بل تشمل أيضاً الإعلام الوطني، والدبلوماسية العامة، ووزارات الخارجية، والسفارات، وكل الجهات القادرة على إيصال الرواية الوطنية إلى العالم.
فمن الضروري أن تصل صورة واضحة للرأي العام الدولي حول طبيعة التهديدات التي تواجهها الدول، بعيداً عن حملات التضليل أو الروايات الأحادية.
كما تبرز أهمية تطوير دور الملحقيات الثقافية والإعلامية في الخارج، بحيث تتحول من أدوارها التقليدية إلى أدوات فاعلة للقوة الناعمة، تشرح مواقف دولها وتدافع عن مصالحها، وتساهم في بناء صورة متوازنة لدى المجتمعات الدولية.
أمن المقيمين جزء من أمن الدولة
ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها أن الكويت ودول الخليج لم تميز يوماً بين المواطنين والمقيمين في توفير الأمن والحماية.
إن دول الخليج لا تحمي مواطنيها فقط، بل توفر الأمن والاستقرار لملايين المقيمين من مختلف دول العالم الذين يعيشون ويعملون على أراضيها. ولذلك، فإن أي اعتداء يستهدف أمن هذه الدول لا يهدد مواطنيها فحسب، وإنما يعرض حياة ملايين البشر من جنسيات متعددة للخطر، وهو ما يجعل الحفاظ على أمنها واستقرارها قضية إنسانية وإقليمية تتجاوز حدودها الجغرافية.
الحاجة إلى تحرك جماعي
لقد تأسس مجلس التعاون الخليجي على مبدأ أن أمن دوله مترابط، وأن أي تهديد لإحدى الدول الأعضاء يمثل تهديداً للجميع.
واليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لتعزيز التنسيق السياسي والأمني والإعلامي، إلى جانب تحرك دبلوماسي عربي وإسلامي واسع في المحافل الدولية، يهدف إلى حماية أمن المنطقة، والدفع نحو خفض التصعيد، والتأكيد على احترام سيادة الدول وعدم استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية.
الكويت كانت وستظل دولة تؤمن بالحوار قبل المواجهة، وبالتنمية قبل الصراع، وبالإنسان قبل السياسة. ومن حقها، كما هو حق جميع دول المنطقة، أن تنعم بالأمن والاستقرار بعيداً عن التهديدات والتصعيد.
إن المطلوب اليوم ليس توسيع دائرة المواجهة، وإنما بناء موقف عربي وإسلامي موحد، يعكس الالتزام بمبادئ القانون الدولي، ويؤكد أن أمن الدول وسيادتها مسؤولية جماعية لا يجوز التهاون فيها.
فالتاريخ يثبت أن الأزمات لا تُدار بالصمت، بل بالمواقف الواضحة، والعمل المشترك، والإرادة السياسية القادرة على حماية الاستقرار وصون أمن الشعوب.
ولعل من المناسب أن يبحث المجلس، بالتنسيق مع الدول العربية، سبل تعزيز المواقف المشتركة، والدفع نحو تحرك دبلوماسي واسع في المحافل الدولية، بما يضمن حماية أمن المنطقة وخفض التصعيد.
فالرسائل الواضحة، والعمل الجماعي، كثيرا ما يكونان أكثر تأثيرا من ردود الفعل الفردية.
إن الحروب الحديثة لم تعد تخاض في الميدان فقط، بل على الشاشات، وفي وسائل الإعلام، وعلى المنصات الرقمية.
ولهذا فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الأمنية والعسكرية وحدها، بل تمتد إلى الإعلام الوطني، والدبلوماسية العامة، ووزارة الخارجية وسفاراتها في مختلف العواصم، والرسائل الموجهة إلى الرأي العام الدولي.
العالم يحتاج إلى أن يسمع الرواية الكويتية، وأن يفهم حجم القلق الذي تعيشه الأسر عندما تتحول حياتها اليومية إلى انتظار لخبر عاجل أو إنذار جديد.
كما أن وزارة الإعلام مطالبة بتسخير جميع أدواتها، ومعها وسائل الإعلام الوطنية، والكتاب، والمثقفون، والمؤثرون، ومنصات التواصل الاجتماعي، لإبراز حقيقة هذا العدوان، وكشف مخاطره على أمن المنطقة، وعدم ترك المجال للروايات المضللة لتحتكر المشهد.
إن الدفاع عن صورة الكويت، وعن حقها في الأمن والاستقرار، لا يقل أهمية عن حماية حدودها.
كما أن الأحداث تطرح تساؤلات حول طبيعة الضمانات الأمنية والتحالفات الدولية، فالدول تحتاج إلى أن تشعر بأن التزامات الشراكات الأمنية تترجم إلى مواقف واضحة في أوقات الأزمات، وأن حماية الاستقرار لا تكون انتقائية أو مرتبطة بحسابات ضيقة.
وفي الوقت نفسه، يبقى الأساس هو قدرة الدول على تعزيز منظوماتها الدفاعية، وتوسيع شبكة علاقاتها الدولية، وتكثيف تحركاتها الدبلوماسية، لأن أمن الأوطان لا يعتمد على طرف واحد، بل على مزيج من الجاهزية الوطنية، والتحالفات الفاعلة، والعمل السياسي المستمر.
والأخطر من ذلك أن إيران لا تخوض هذه المواجهة في الميدان فقط، بل تخوضها أيضا في العقول والمنابر الإعلامية والثقافية، فمن اللافت أن المكاتب والملحقيات الثقافية الإيرانية المنتشرة في عدد كبير من عواصم العالم تنشط في الترويج للرواية الإيرانية، وتعمل على إقناع الرأي العام بأن طهران لا تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل وحدهما، بل تواجه أيضا دول الخليج والدول العربية، مستندة إلى وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضي بعض هذه الدول، وكأن ذلك يمنحها مبررا لاستهدافها أو تحميلها مسؤولية صراع لم تكن طرفا فيه.
وفي المقابل نجد أن كثيرا من الملحقيات والمكاتب الثقافية الخليجية والعربية ما زالت تؤدي دورا تقليديا يقتصر على الأعمال الإدارية والأنشطة الروتينية، بينما يغيب عنها الدور الحقيقي في مخاطبة الرأي العام العالمي، وتصحيح المعلومات المغلوطة، والدفاع عن صورة أوطانها في الخارج، واليوم لم تعد الملحقية الثقافية مجرد مكتب لإدارة شؤون المبتعثين أو تنظيم الفعاليات، بل أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة، وخط الدفاع الأول عن الرواية الوطنية، وهو ما يستوجب إعادة النظر في دورها، وتأهيل كوادرها، ومنحها رؤية أكثر فاعلية، لأن المعارك الحديثة تحسم أحيانا بالكلمة والصورة قبل أن تحسم بالصاروخ والطائرة.
ولعل ما يزيد من استهجان هذه الاعتداءات أن الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن لم تفرق يوما بين مواطن ومقيم في توفير الحماية والأمن. فهذه الدول تحتضن على أرضها ملايين المقيمين من الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة، وتحرص على سلامتهم كما تحرص على سلامة مواطنيها، وهو ما يجعل أي اعتداء يستهدفها تهديدا لحياة مئات الآلاف من البشر من جنسيات متعددة، وليس لمواطنيها وحدهم. ولذلك فإن حماية أمن هذه الدول هي، في الوقت ذاته، حماية لمجتمعات إنسانية متنوعة تعيش وتعمل على أرضها في أمن واستقرار.
الكويت لم تكن يوما مصدر تهديد لأحد، بل كانت وستظل، بحول الله، دولة آمنت بالحوار قبل الصدام، وبالتنمية قبل المواجهة، وبالإنسان قبل السياسة.
ولهذا فإن من حقها أن تطالب باحترام سيادتها وأمنها، ومن حق شعبها، ومن حق كل من يقيم على أرضها، أن يعيش بعيدا عن القلق والخوف.
إن المطلوب اليوم ليس التصعيد، بل موقف عربي وإسلامي أكثر وضوحا، وتحرك دبلوماسي وإعلامي يوازي حجم التحديات، ورسالة تؤكد أن أمن الكويت وأمن الخليج ليسا ملفا هامشيا، بل جزءا أصيلا من أمن المنطقة بأسرها.
فالصمت في مثل هذه الظروف لا يبدد المخاوف، بل يضاعفها.
أما المواقف الواضحة والعمل الجماعي، والدفاع عن مبادئ احترام سيادة الدول، وعدم استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، والتمسك بقواعد القانون الدولي، فهي الطريق الذي يعزز الاستقرار، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة لا يجوز التهاون فيها، وأن الدول التي اختارت السلام، ومدت يدها للخير والتعاون، تستحق أن تجد من يقف إلى جانبها عندما تتعرض للتهديد، لا أن تواجه مصيرها وحدها في صمت.
للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك







