النكبة الفلسطينية: من بدايات الاستيطان اليهودي إلى قيام إسرائيل والحرب مع الجيوش العربية

في منتصف مايو/أيار من كل عام، يتم إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية باعتبارها محطة مفصلية في التاريخ الفلسطيني الحديث، حيث تؤرخ لسلسلة متشابكة من التحولات بدأت بتصاعد الاستيطان اليهودي في فلسطين منذ القرن التاسع عشر، وصولاً إلى إعلان قيام دولة إسرائيل وما تبعه من حرب واسعة مع الجيوش العربية.
وتشير المعطيات التاريخية إلى أن الهجمات التي نفذتها العصابات الصهيونية المسلحة بين أواخر عامي 1947 و1948 أدت إلى تهجير نحو 957 ألف فلسطيني من أصل قرابة 1.4 مليون كانوا يعيشون في نحو 1300 مدينة وقرية فلسطينية عام 1948، حيث توزع المهجرون بين الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، فيما تعرض آلاف آخرون لتهجير داخلي في الأراضي التي أصبحت تحت سيطرة الاحتلال لاحقاً.
بدايات الاستيطان اليهودي في فلسطين
تعود جذور المشروع الاستيطاني إلى موجات الهجرة اليهودية المتزايدة إلى فلسطين منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي ارتكزت على الأيديولوجية الصهيونية الداعية إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين والسعي إلى السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض.
وخلال العهد العثماني، برزت بدايات هذا المشروع بشكل أوضح بعد مؤتمر لندن عام 1840، حيث لعب ليونيل دي روتشيلد دوراً في دعم إنشاء المستوطنات اليهودية، حتى بلغ عددها بحلول عام 1882 نحو 39 مستوطنة ضمت قرابة 12 ألف يهودي، فيما عُرف لاحقاً بـ«الاستيطان الروتشيلدي».
وفي عام 1917، تلقى ليونيل روتشيلد رسالة وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، المعروفة بـ«وعد بلفور»، والتي تعهدت فيها بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ما شكل نقطة تحول رئيسية في مسار المشروع الاستيطاني.
ومع بدء الانتداب البريطاني على فلسطين، سهلت السلطات البريطانية توسع الاستيطان اليهودي وتمكينه من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، إلى جانب دعم إقامة مستوطنات في مواقع استراتيجية أصبحت لاحقاً نقاط ارتكاز لعمليات التهجير والسيطرة خلال النكبة.
وفي الفترة التي سبقت عام 1948، كثفت المنظمات الصهيونية نشاطها بدعم الانتداب البريطاني، وأقامت 79 مستوطنة على مساحة تجاوزت مليوني دونم بين عامي 1939 و1948، وامتد التوسع إلى القدس وضواحي بئر السبع والنقب وشمالي قطاع غزة والسهل الساحلي بين حيفا ويافا.
التنظيمات المسلحة الصهيونية
تولت عدة منظمات صهيونية مسلحة تنفيذ المخططات الاستيطانية والعسكرية، أبرزها «الهاغاناه» التي تأسست عام 1921 في القدس، وشكلت لاحقاً النواة الأولى للجيش الإسرائيلي، حيث أسهمت في إقامة نحو 50 مستوطنة.
كما برزت منظمة «الأرغون» التي تأسست عام 1931 ونفذت أكثر من 60 عملية عسكرية ضد الفلسطينيين وضد القوات البريطانية، إضافة إلى منظمة «شتيرن» التي تأسست عام 1940 ونفذت هجمات ضد البريطانيين وشاركت في مجزرة دير ياسين عام 1948.
أما قوة «البالماح» التابعة للهاغاناه، فقد تأسست عام 1941 ونفذت عمليات عسكرية شملت تفجير خطوط سكك حديدية وشن غارات على قرى فلسطينية، ولعبت دوراً محورياً في حرب 1948 في الجليل والنقب والقدس وسيناء.
وفي المقابل، حاول الفلسطينيون والعرب التصدي لموجات الاستيطان عبر تشكيل أحزاب وجماعات مقاومة، إلا أن ضعف التنسيق والصراعات السياسية الداخلية حدّت من فاعلية هذه الجهود.
قرار تقسيم فلسطين
في 2 أبريل/نيسان 1947، أحالت بريطانيا ملف فلسطين إلى الأمم المتحدة، التي أصدرت في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 قراراً بتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة يهودية بنسبة 56% من الأرض، ودولة عربية بنسبة 43%، مع تدويل القدس بنسبة 1%.
ورفض العرب القرار باعتباره غير قانوني، وخصصوا نحو مليون جنيه إسترليني و10 آلاف بندقية و3 آلاف متطوع لدعم ما عُرف بـ«جيش الإنقاذ العربي» لمقاومة المشروع الصهيوني، الذي اعتمد على خليط من البنادق البريطانية والفرنسية والبلجيكية، مع ضعف في التدريب والتنظيم.
التصعيد العسكري وخطة دالت
رغم القبول الظاهري الصهيوني بقرار التقسيم، كانت القيادة الصهيونية تسعى للسيطرة على كامل فلسطين، حيث طورت في مطلع 1948 ما عُرف لاحقاً بـ«خطة دالت»، التي هدفت إلى توسيع السيطرة العسكرية قبل انسحاب القوات البريطانية في منتصف مايو/أيار.
وشهدت هذه المرحلة سلسلة من الهجمات والمجازر، من بينها تفجير فندق سميراميس في حي القطمون بالقدس في يناير/كانون الثاني 1948، والذي أدى إلى استشهاد 26 مدنياً وإصابة أكثر من 20 آخرين، بينهم دبلوماسيون وعمّال مصريون.
وبين أبريل/نيسان ومايو/أيار 1948، نفذت العصابات الصهيونية عمليات عسكرية واسعة للسيطرة على القرى والمناطق الفلسطينية، ضمن إطار خطة منظمة لفرض أمر واقع على الأرض.
ومن أبرز العمليات «عملية نحشون» التي استهدفت تأمين الطريق بين الساحل والقدس، حيث جرت مواجهات في القسطل التي سقط فيها القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني، أحد أبرز قادة المقاومة في تلك المرحلة.
كما ارتكبت مجزرة دير ياسين على يد «شتيرن» و«الأرغون»، والتي أسفرت عن استشهاد نحو 254 فلسطينياً، وشكلت عاملاً رئيسياً في بث الرعب بين السكان ودفعهم إلى النزوح من العديد من القرى.
إعلان قيام إسرائيل والحرب العربية
في منتصف ليل 14- 15 مايو/أيار 1948، انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين، وأعلن ديفيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل في تل أبيب، دون تحديد حدودها، وسارعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى الاعتراف بها.
وبعد الإعلان مباشرة، بدأت الجيوش العربية هجومها العسكري، حيث عبرت قوات أردنية نهر الأردن واشتبكت في معارك عدة أبرزها اللطرون وجنين وباب الواد، ونجحت في الاحتفاظ بالقدس والضفة الغربية حتى وقف إطلاق النار.
كما خاض الجيش العراقي معارك في جنين وتمكن من طرد القوات الصهيونية منها، في حين شارك الجيش المصري في معارك مهمة أبرزها الفالوجة، التي حوصر فيها لاحقاً عدد من الضباط، من بينهم جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر.
أما الجيش اللبناني فسيطر على قريتي المالكية وقدس في الجليل، قبل أن يفرض مجلس الأمن الدولي وقفاً لإطلاق النار في يونيو/حزيران 1948، ما أوقف القتال النظامي مؤقتاً، مع استمرار عمليات جيش الإنقاذ.
ومع استئناف القتال لاحقاً، تمكنت القوات الإسرائيلية من توسيع سيطرتها على مساحات واسعة من فلسطين التاريخية، قبل أن تنتهي الحرب بتوقيع اتفاقيات الهدنة بين فبراير/شباط ويوليو/تموز 1949، التي رسمت ما عرف بـ«الخط الأخضر» وأرست واقعاً سياسياً جديداً في المنطقة.
للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك







