من إيداع الخرائط إلى نهب التاريخ.. من يعبث بوعي الكويت؟!

من إيداع الخرائط إلى نهب التاريخ.. من يعبث بوعي الكويت؟!
د يوسف العميري

في كل مرة تلوح فيها الذاكرة بأشباح الماضي، لا يكون ذلك عبثا ولا نكأ لجراح قديمة، بل تنبيها ضروريا بأن الأوطان التي تنسى، تعاد إصابتها من نفس الجهة وبالطريقة ذاتها.. ولكن بثمن أفدح.

نحن اليوم نقترب من الذكرى الخامسة والستين لاستقلال الكويت، والخامسة والثلاثين لتحريرها، لا نحتفل فقط بمناسبتين وطنيتين، بل نفترض أن نجدد العهد مع التاريخ، ومع الحقيقة، ومع الوعي الجمعي الذي صنع بقاء هذا الوطن.

قبل أيام، تداولت وكالات الأنباء خبر إقدام العراق على إيداع إحداثيات وخرائط بحرية لدى الأمم المتحدة، في خطوة مست السيادة البحرية للكويت، وأثارت ردود فعل خليجية واضحة، أكدت جميعها أن المسألة ليست إجرائية ولا فنية، بل تمس جوهر السيادة والحدود والحقوق التاريخية.

قد يختلف السياسيون في توصيف الخطوة، وقد تتعدد البيانات الدبلوماسية، لكن ما لا يجب أن يختلف عليه الكويتيون خصوصا من الأجيال الجديدة هو.. من هو الطرف الذي اعتدى؟ ومن هو الطرف الذي دفع الثمن؟ ولماذا لا يجوز التعامل مع الذاكرة الوطنية كترف قابل للإغلاق أو الإهمال؟

المقلق حقا ليس فقط ما يصدر من الخارج، بل ما يحدث في الداخل.

كثيرون من شباب اليوم يحتفلون بعيد التحرير وهم لا يعرفون على وجه الدقة ماذا حدث في الثاني من أغسطس 1990، ولا حجم الخيانة التي تعرض لها وطنهم، ولا كيف استبيحت الكويت أرضا وشعبا، بعد أن وقفت مع العراق في حربه مع إيران، سياسيا وماليا وأخويا.

هذا الجهل ليس ذنبهم وحدهم إنما هو ذنب منظومة كاملة سمحت بأن تهدم الذاكرة حرفيا حجرا حجرا.

من هنا أصل إلى الجرح الأعمق.. ألا وهو بيت الكويت للأعمال الوطنية.

هذا الصرح لم يكن متحفا عاديا ولا مبنى صور بل كان مشروع وعي، وبانوراما وطن، وسردية دولة كاملة تحكى بالصوت والصورة والوثيقة.

بانوراما تبدأ من سؤال: من هي الكويت؟

ومن هم حكامها؟

وكيف نشأت؟

ثم تنتقل إلى الغزو إلى الناس وهم نيام آمنون إلى الألم إلى الشهداء إلى المقاومة إلى حرق الآبار.. ثم إلى لحظة التحرير.

بيت الكويت للأعمال الوطنية لم يكن مجرد مبادرة، بل مؤسسة زارها قادة دول ومسؤولون ووفود رسمية، واحتضنت ثلاثين جناحا لدول التحالف، وكانت تستقبل يوميا ما يقارب 150 طالبا وطالبة ليتعلموا ما الذي أصاب وطنهم في 2/8/1990.

وقعت اتفاقيات توأمة مع متاحف دولية، وحملت رسالة الكويت إلى الخارج.. نحن لم نكن معتدين، بل كنا ضحية.

ثم ماذا؟

قطع التيار الكهربائي.

ترك المكان مهجورا.

تركت البانوراما فريسة للإهمال.

ورغم المكاتبات والاستغاثات والمخاطبات الرسمية لم يتحرك أحد.

وعلى مدار ست سنوات، كنا نطرق الأبواب بلا جدوى، إلى أن كانت الصدمة الكبرى..

قبل أيام من عيد التحرير، دخلنا الموقع للتفقد فوجدنا المتحف منهوبا ومدمرا بالكامل.

ليس تخريبا عشوائيا، ولا سرقة عابرة، بل تدمير ممنهج لذاكرة وطنية كاملة.

هنا يصبح السؤال مشروعا وملحا:

لصالح من يتم تدمير ذاكرة الكويت؟

ومن المستفيد من حرمان الأجيال القادمة من معرفة ما جرى؟

وهل ما يحدث مجرد إهمال إداري أم أن هناك يدا خفية لا تريد لهذا التاريخ أن يروى؟

نحن قمنا بواجبنا، وأبلغنا الجهات الأمنية، والنيابة العامة مشكورة فتحت تحقيقا وتتابع الجناة.

لكن المسؤولية لا تقف عند حدود الفاعل المباشر.

المسؤولية السياسية والأخلاقية تقع أيضا على عاتق المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعلى كل جهة كان بيدها القرار وسكتت.

نحن أعضاء في بيت الكويت للأعمال الوطنية لن يهدأ لنا بال حتى نعرف الحقيقة كاملة، ولن نتراجع عن حقنا في إعادة البانوراما، أفضل مما كانت، إذا توفر المكان والدعم، سواء من المجلس الوطني أو من وزارة الدفاع أو من أي مؤسسة تؤمن بأن الأمم لا تقاس بثرواتها، بل بنضال شعوبها وتضحياتهم.

ما يحدث اليوم من نزاعات حدودية ومن محاولات إعادة تأطير التاريخ بلغة ناعمة، يجب أن يقابل بوعي صلب.. لا بخطابات موسمية. فالذاكرة الوطنية ليست أرشيفا إنما هي خط دفاع أول.

ومن يفرط بها يفتح الباب لتكرار المأساة.. ولو بأسماء جديدة وخرائط مختلفة. وهذه ليست قصة متحف مغلق.. هذه قصة وطن يختبر وعيه من جديد.

خالص التهاني لبني وطني.. وحفظ الله الكويت أرضا وقيادة وشعبا..

وللحديث بقية.

للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك