حين تتحول الحرب إلى تهمة ضد الخطوط الكويتية

حين تتحول الحرب إلى تهمة ضد الخطوط الكويتية
دكتور يوسف العميرى

في أوقات الحروب لا تقاس الأشياء بالعاطفة وحدها، ولا تدار المطارات بمنطق الزبون دائما على حق، لأن الحقيقة القاسية أن العالم كله، لا الكويت وحدها، يعيش اليوم فوق صفيح ساخن، والمنطقة بأكملها تتحرك على إيقاع الخوف والترقب منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وما تبعها من تهديدات وإغلاقات وتحذيرات أمنية وارتباك غير مسبوق في حركة الطيران المدني.

وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبدو غريبا أن يتحول الناقل الوطني الكويتي إلى هدف سهل للغضب الشعبي وكأنه وحده من ألغى الرحلات أو أوقف التشغيل أو غير الجداول، بينما الحقيقة التي يعرفها الجميع أن كبريات شركات الطيران العالمية فعلت الشيء نفسه، بل إن بعضها أوقف آلاف الرحلات دفعة واحدة، وأعاد رسم مساراته الجوية بالكامل خوفا من أي تصعيد مفاجئ أو إغلاق جديد للأجواء.

الخطوط الكويتية ليست شركة تعمل داخل كوكب معزول عن العالم، وليست طائرة تستطيع التحليق فوق الصواريخ والتهديدات والقرارات السيادية للدول والمطارات، حين تغلق الأجواء تغلق على الجميع، وحين تصبح المنطقة غير آمنة، فإن كل شركات الطيران تتحرك بمنطق الخسائر الأقل، لا بمنطق المجازفة بأرواح الناس.

ولذلك لم يكن مستغربا أن تعلن شركات خليجية وعالمية كبرى إلغاء رحلاتها أو إعادة جدولة تشغيلها أو تعليق بعض الخطوط مؤقتا، لأن صناعة الطيران بأكملها تعيش حالة استنفار حقيقي منذ بداية التصعيد في المنطقة. حتى شركات بحجم لوفتهانزا الألمانية ألغت آلاف الرحلات، فيما أعادت شركات أخرى حساباتها التشغيلية بالكامل، ليس بسبب أزمة تجارية، بل بسبب خوف حقيقي من واقع أمني غير مستقر.

الناس ترى الرحلة الملغاة، لكنها لا ترى غرف العمليات التي تعمل تحت ضغط هائل، ولا ترى القرارات الأمنية المتغيرة كل ساعة، ولا ترى حجم التنسيق المطلوب للحصول على موافقات تشغيل جديدة، ولا أزمة ال SLOT في المطارات الأوروبية، ولا التعقيدات الفنية المرتبطة بإعادة جدولة الرحلات بعد أي توقف مفاجئ.

والحقيقة أن شركات الطيران في أوقات الحروب لا تتعامل فقط مع جداول سفر، بل مع خرائط تهديد يومية تتغير كل ساعة.. هناك مسارات جوية تغلق فجأة، ومجالات جوية تصبح خطرة خلال دقائق، وتحذيرات ملاحية تصدر بصورة متلاحقة، وشركات تأمين ترفع مستوى المخاطر، وطواقم تشغيل تخشى أن تجد نفسها في قلب تصعيد غير محسوب.. ما يراه المسافر رحلة متأخرة، تراه شركات الطيران احتمالا لكارثة يجب منعها قبل وقوعها.

البعض يتحدث وكأن إلغاء الرحلات قرار مزاجي أو استهتار بالمسافرين، بينما الواقع أن شركات الطيران حول العالم تعيش حالة رعب حقيقية منذ أشهر، لأن أحدا لا يعلم ماذا قد يحدث بعد ساعة واحدة فقط. الحرب توقفت مؤقتا نعم، لكن هل انتهى التوتر؟ هل اختفت التهديدات؟ هل عادت المنطقة إلى الاستقرار الكامل؟ بالطبع لا.

المنطقة اليوم لا تعيش سلاما حقيقيا، بل هدنة قلقة تشبه الوقوف فوق أرض قابلة للاشتعال في أي لحظة، وكل شركة طيران تعلم أن قرارا خاطئا واحدا قد يتحول إلى مأساة دولية، ولذلك تميل الشركات إلى الحذر المبالغ فيه أحيانا، لأن البديل قد يكون ثمنا لا يمكن احتماله لا إنسانيا ولا مهنيا ولا سياسيا.

ومن حق أي مسافر أن يغضب بسبب خسارة أو تأخير أو ارتباك، ومن حق الناس أن تطالب بتحسين التواصل والخدمة والتعويضات، لكن ليس من العدل أن نتصرف وكأن الكويتية وحدها اخترعت الأزمة، أو وكأنها تتعمد تعطيل الناس بينما العالم كله يعيش ارتباكا مشابها.

كما أن الشركة، بحسب ما أعلنته، أتاحت خيارات متعددة للمسافرين، سواء عبر استرجاع قيمة التذاكر أو تأجيل السفر أو تحويل التذكرة إلى قسيمة استخدام لاحقة، وهي إجراءات اتبعتها شركات عديدة حول العالم خلال فترات الإغلاق والتوتر الأمني.

أما ما يتعلق بحجوزات الفنادق والبرامج السياحية، فإن الأزمة لم تكن مفاجئة بالكامل، بل كانت المنطقة تعيش توترا معلنا منذ أسابيع، وكانت التحذيرات والتطورات السياسية والأمنية تتصاعد بصورة واضحة.

والمفارقة المؤلمة أن الناس لو تعرضت طائرة واحدة فقط لأي حادث بسبب تجاهل المخاطر، لخرج الجميع يسأل لماذا أقلعت الرحلة أصلا؟ ولماذا لم تتخذ الشركة إجراءات احترازية؟ لكن حين تلغى الرحلات حفاظا على السلامة، يتحول القرار نفسه إلى تهمة. وكأن شركات الطيران مطالبة بأن تضمن الأمان الكامل.. دون أن تتخذ أي قرارات مزعجة للمسافرين.

المفارقة أيضا أن كثيرين يطالبون دائما بدعم المؤسسات الوطنية والوقوف مع الكيانات المحلية في الأزمات، لكن أول اختبار حقيقي يتحول فيه الناقل الوطني إلى هدف للسخرية والغضب والاتهامات، وكأن المطلوب من الخطوط الكويتية أن تعمل خارج قوانين الجغرافيا والسياسة والحروب.

الكويتية ليست فوق النقد، وأي تقصير في التواصل أو التنظيم أو خدمة المسافرين يجب أن يناقش بصراحة وعدالة، لكن الفرق كبير بين نقد مؤسسة وطنية، وبين تحويلها إلى خصم شعبي نحمله وحده مسؤولية حرب إقليمية واضطراب عالمي تعيشه صناعة الطيران بأكملها.

في أوقات الاستقرار، قد يكون الطيران مجرد رحلة عادية، أما في أوقات الحروب، فإنه يتحول إلى ملف أمن قومي وحسابات نجاة معقدة. ولهذا فإن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى الصورة كاملة، لا إلى شاشة رحلة ألغيت فقط.

وختاما أقول، استقيموا يرحمكم الله فـ أرواح الناس ليست لعبة، ودعم شركاتنا الوطنية فرضا علينا لا مجاملة لفرد، بل دعما لمقدرات أمة.. وإن كان هناك ملاحظة فلنقلها من باب التقويم وليس التشفي وتصفية الحسابات.

للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك