لبنان.. من يحمي بلد الجمال من هذا المجنون؟

لبنان.. .كلما اعتقد لبنان أن بلادهم التقطت أنفاسها بعد أزمة، جاءت أزمة أكبر، وكلما ظنوا أن سنوات الحرب والاغتيالات والانهيار الاقتصادي قد استنفدت ما يمكن أن يتحمله شعب، وجدوا أنفسهم أمام فصل جديد من الألم والدمار.
لبنان اليوم لا يواجه مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل يواجه واقعا أصبحت فيه القوة العسكرية الإسرائيلية تتصرف وكأنها فوق كل مساءلة، فالمشهد لم يعد يقتصر على استهداف مواقع أو تنفيذ ضربات محددة، بل تحول إلى حالة من الضغط المستمر على دولة كاملة وشعب كامل وبنية تحتية كاملة، تحت ذرائع أمنية تتوسع يومًا بعد يوم حتى تكاد تبتلع كل شيء.
وخلال الأشهر الماضية سمع العالم الكثير من التصريحات الأمريكية التي تحدثت عن ضرورة ضبط النفس ومنع التصعيد وعدم توسيع الحرب، بل إن وسائل إعلام غربية نقلت مرارا وجود خلافات وتوترات بين واشنطن وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن إدارة الحرب واتساع رقعتها للدرجة التي دفعت الرئيس الأمريكي ترامب يصف نتنياهو بالمجنون، لكن السؤال الذي يطرحه اللبناني البسيط اليوم ليس ماذا قيل في الكواليس، بل ماذا تغير على الأرض؟
الجواب المؤلم هو.. ليس الكثير..
فالقنابل لا تقرأ البيانات الدبلوماسية، والطائرات لا تتوقف عند حدود التصريحات السياسية، وما يراه اللبنانيون يومًا هو استمرار الاعتداءات واستمرار التهديدات واستمرار التعامل مع بلد كامل وكأنه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية،
المفارقة أن لبنان ليس مجرد نقطة على الخريطة، إنه بلد صنع جزءا كبيرا من الذاكرة الثقافية العربية، هو بلد الشعر والموسيقى والصحافة والجامعات والمسرح، بلد أعطى للعرب أسماء لامعة في الفكر والفن والأدب والاقتصاد، بلد الجبل والبحر والياسمين والمقاهي القديمة والكتب التي كانت تُطبع فيه عندما كانت الحرية تضيق في أماكن أخرى
هذا البلد الجميل لا يستحق أن يتحول إلى خبر عاجل دائم..
ولا يستحق أن يعيش أبناؤه بين نزوح وآخر، أو بين تهديد وآخر، أو بين حرب وأخرى.
لكن القضية في جوهرها تتجاوز لبنان نفسه، فالتاريخ يعلمنا أن التهديد حين لا يواجه بإرادة جماعية يتمدد، وأن الخطر الذي يبدأ في طرف المنطقة لا يلبث أن يقترب من أطراف أخرى، ولهذا فإن السؤال العربي الحقيقي ليس فقط كيف نحمي لبنان، بل كيف نحمي النظام العربي كله من حالة التشرذم التي جعلت كل دولة تواجه مصيرها منفردة..
منذ عقود نتحدث عن اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وعن الأمن القومي العربي، وعن المصير الواحد، لكن معظم هذه العناوين بقي حبرًا على ورق، بينما تغير العالم من حولنا وتبدلت موازين القوى وتزايدت التحديات.
اليوم لم يعد المطلوب خطابات عاطفية أو بيانات شجب إضافية، المطلوب رؤية عربية جديدة تجعل أي اعتداء على دولة عربية قضية تخص الجميع، لا الدولة المستهدفة وحدها، المطلوب تنسيق سياسي وأمني واقتصادي حقيقي، لأن العالم لا يحترم الكيانات المتفرقة بقدر ما يحترم التكتلات القادرة على الدفاع عن مصالحها،
لبنان يستحق أن يعيش بسلام، ويستحق أن يُنظر إليه كدولة ذات سيادة لا كساحة صراع دائمة، لكن الدرس الأهم الذي يجب أن نستخلصه جميعًا هو أن الأوطان لا يحميها التعاطف وحده، بل تحميها القدرة على العمل المشترك.. .
وإذا كان التاريخ العربي قد ترك لنا حكمة خالدة، فهي تلك العبارة التي تتردد كلما تأخرنا في إدراك الخطر: «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».
الخوف ليس على لبنان وحده، بل من أن نستمر في مشاهدة الحرائق وهي تقترب، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أن النار لم تكن بعيدة كما ظننا.
للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك







