23 يوليو.. نهضت مصر فنهض معها الحلم العربي

23 يوليو.. نهضت مصر فنهض معها الحلم العربي
دكتور يوسف العميرى

23 يوليو.. .هناك تواريخ لا تبقى مجرد أرقام في صفحات الكتب، بل تتحول إلى محطات فاصلة تغير مسار الأمم، و23 يوليو واحد من تلك الأيام التي لم تصنع حدثا مصريا فحسب، بل تركت أثرا عميقا في الوجدان العربي كله، لأن ما جرى على أرض مصر في ذلك اليوم تجاوز حدود الجغرافيا، ليصبح لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة بأسرها.

أؤمن أن الحديث عن مصر ليس حديثا عن دولة شقيقة فقط، بل عن ركيزة من ركائز الأمة فمتى كانت مصر قوية، شعر العرب جميعا أن ظهرهم أكثر صلابة، ومتى مرت بظروف صعبة، انعكس ذلك على محيطها العربي كله.

لقد جاءت ثورة الثالث والعشرين من يوليو في مرحلة كانت فيها مصر تبحث عن استعادة قرارها الوطني، وبناء دولة حديثة قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز استقلالها، وصناعة مستقبلها بعيدا عن الهيمنة الخارجية، ومهما اختلفت المدارس السياسية في تقييم تلك المرحلة، فإن أحدا لا يستطيع إنكار أنها شكلت نقطة تحول كبرى في تاريخ الدولة المصرية.

كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عنوانا لتلك المرحلة، وقائدا ارتبط اسمه بمشروعات كبرى لا تزال شاهدة على زمن آمن فيه المصريون بأن المستحيل يمكن أن يصبح واقعا، ويكفي أن نتذكر السد العالي، والتوسع الصناعي، والإصلاح الزراعي، وترسيخ فكرة الدولة الوطنية، حتى ندرك أن تلك الحقبة تركت بصمة لا يمكن تجاوزها عند قراءة التاريخ المصري الحديث.

لكن الأمم الحية لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، بل تواصل البناء جيلا بعد جيل، ورئيسا بعد رئيس، وفق ما تفرضه تحديات كل عصر.

واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على ثورة يوليو، تبدو مصر وهي تخوض معركة مختلفة، فلم تعد المعركة معركة التحرر الوطني كما كانت في الخمسينيات، بل أصبحت معركة التنمية، وإعادة بناء الدولة، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز الاقتصاد، ومواجهة الإرهاب، واستعادة الاستقرار في منطقة تموج بالاضطرابات.

ومن هنا يمكن فهم ما تشهده مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، باعتباره امتدادا لفكرة الدولة القوية القادرة على حماية نفسها وبناء مستقبلها، وإن اختلفت أدوات كل مرحلة وظروفها.

لقد اختارت مصر في السنوات الأخيرة أن تستثمر في الطرق والكباري والموانئ والمدن الجديدة والطاقة والمشروعات القومية، باعتبارها أساسا لأي نهضة اقتصادية مستدامة، ولا أحدا لا يستطيع إنكار حجم التحولات التي شهدتها البنية الأساسية للدولة المصرية خلال السنوات الماضية.

ولعل أهم ما يجمع بين مرحلتي عبد الناصر والسيسي، رغم اختلاف الزمن والتحديات، هو الإيمان بأن الدولة لا يمكن أن تنهض إلا إذا امتلكت إرادتها، واستثمرت في قدراتها، وآمنت بأن البناء يحتاج إلى رؤية، وإدارة، وصبر، فضلا عن وجود جيش قوي يحمي مقدرات هذا الشعب الأبي وحدود هذا الوطن الراسخ الشامخ.

ومن الكويت، تعلمنا أن مصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة، بل هي مدرسة في الثقافة، والإعلام والتعليم والفن والفكر، فمن جامعاتها تخرج آلاف الكويتيين والخليجيين، ومن مسارحها وسينماها وإذاعتها وتلفزيونها تشكل جزء كبير من وعينا العربي، ومن علمائها وأطبائها ومهندسيها استفادت دول الخليج في بدايات نهضتها الحديثة.

ولذلك فإن العلاقة بين الكويت ومصر لم تبن على المصالح وحدها، بل على تاريخ طويل من المحبة والوفاء والتقدير المتبادل.

فالكويت لم تنس يوما مواقف مصر، كما أن مصر لم تتردد يوما في الوقوف إلى جانب أشقائها، والعكس صحيح فالمواقف الكويتية تجاه مصر تؤكد على عمق العلاقة بين الأشقاء، ولهذا بقيت العلاقة بين البلدين نموذجا للأخوة العربية الصادقة التي تجاوزت تقلبات السياسة وظلت راسخة في وجدان الشعبين.

إن قوة مصر ليست مكسبا للمصريين وحدهم، بل هي مكسب لكل عربي فحين تستعيد القاهرة عافيتها، يشعر الخليج بالاطمئنان، ويشعر المشرق والمغرب بأن في الأمة ركيزة كبرى ما زالت قادرة على حمل مسؤولياتها.

ولهذا فإن الاحتفاء بذكرى الثالث والعشرين من يوليو ليس احتفاء بحدث تاريخي فقط، بل هو احتفاء بالإرادة المصرية التي أثبتت عبر العقود أنها قادرة على النهوض مهما تعاظمت التحديات، وأن هذا الشعب الذي بنى أقدم حضارة عرفتها الإنسانية، لا يعرف الاستسلام، بل يحول المحن إلى فرص، والأزمات إلى بدايات جديدة.

وفي هذه المناسبة، نتوجه بالتحية إلى الشعب المصري العظيم، الذي ظل على امتداد التاريخ هو صانع الحضارة وحامي الدولة، وإلى قواته المسلحة التي كانت ولا تزال أحد أعمدة استقرار الوطن، وغلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وإلى كل يد مصرية تزرع، وتبني، وتعلم، وتدافع، وتؤمن بأن المستقبل يُصنع بالعمل لا بالأمنيات.

كل عام ومصر بخير..

كل عام وهي القلب الذي إذا نبض بالحياة، شعر العرب جميعا أن في الأمة متسعا جديدا للأمل.

وكل عام وشعبها يواصل كتابة فصول كفاحه، من جيل عبد الناصر إلى جيل السيسي، ليؤكد أن الدول العظيمة قد تختلف عصورها، لكن إرادتها في البناء لا تتغير، وأن مصر ستبقى، كما عرفها التاريخ، كبيرة بأهلها، راسخة بدولتها، وعزيزة في قلوب كل عربي يؤمن بأن نهضة الأمة تبدأ دائما من نهضة مصر.

للمزيد تابع خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك